المقريزي
253
المقفى الكبير
وحضر مجلسه قاضي القضاة والشهود ووزراء الحضرة وكتّابها . وكتب لتكين الشرابيّ . وتصرّف قديما بفارس في أعمال جليلة ، وآخر عمل تقلّده كتابة أمير المؤمنين المطيع للّه على ضياعه وداره في سنة إحدى وخمسين [ وثلاثمائة ] . فكان المطيع يؤانسه ، وإذا مشى في الدار مشى معه ، ويحادثه ويفيض معه في ألوان غير ما يتعلّق بالعمل ، ويفضي إليه المطيع بأموره . فلمّا فسدت أمور الحضرة وانقرض تدبير السلطان بها ، خرج من بغداد إلى مصر . 1215 - الحسام الغوري قاضي الحنفيّة [ - 771 ] « 1 » [ 470 أ ] حسن بن محمد بن محمد ، الغوريّ ، قاضي القضاة ، حسام الدين ، البغداديّ ، الحنفيّ ، محتسب بغداد . قدم صحبة نجم الدين محمود بن عليّ بن شروين وزير بغداد في سابع عشر صفر سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة . ثمّ خلع عليه ، واستقرّ قاضي القضاة الحنفيّة بالقاهرة ومصر ، عوضا عن برهان الدين إبراهيم بن عليّ بن عبد الحقّ ، في ثامن عشر جمادى الآخرة منها . فسار في القضاء سيرة غير معهودة ، من تسلّطه بلسانه على الناس ، وتكلّمه بما لا يحمل ، وفعله في قضائه بما يسخر منه . فلمّا مات السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وأقيم ابنه الملك المنصور أبو بكر في السلطنة ، كتب الغوري ورقة إلى الموفّق هبة اللّه بن إبراهيم ناظر الدولة - وقد تأخّر صرف معلومه - يذكر فيها مساويء القبط بما فيه فحش وبشاعة ، فبلّغوا ذلك للسلطان . فلم يكتف بما كتبه حتّى ذكر للسلطان في دار العدل بحضرة رفاقه القضاة والأمراء ، عن الكتّاب قبائح لم يكفّ « 2 » فيها عن سبّ . فغضب [ 375 ب ] السلطان على مشافهته بذلك وطلب خروج القضاة [ من ] الوزير نجم الدين محمود وزير بغداد ، وأنكر على الغوريّ ما صدر منه وأنّه لولا أنّه رفيقك لضربته بالمقارع . فطلبه الوزير وبالغ في تعنيفه وتوبيخه ، وعرّفه تغيّر السلطان عليه . ثمّ لمّا أقيم الناصر أحمد في السلطنة حضر القضاة بجامع القلعة ليبايع له الخليفة على العادة . فجمع بعض زفوريّة « 3 » المطبخ السلطانيّ جمعا من رفاقه وهجم الجامع بهم ، فأقاموا الغوريّ من بين القضاة ومزّقوا ثيابه وخرقوا عمامته في عنقه وصاحوا بسبّه « 4 » وتناولوه بالنعال يضربو [ ن ] ه وهو يستغيث : يا مسلمين ، يجري على قاض من قضاة المسلمين مثل هذا ؟ ! فأدركه بعض الأمراء في عدّة من المماليك وقبضوا على طائفة من العامّة فضربوا . وحمل الغوريّ إلى بيته بالصالحيّة ، فما هو إلّا أن استقرّ به [ حتّى ] ثارت العامّة واقتحموا عليه البيت ونهبوا جميع ما فيه ، وكان يوما شنيعا . وشرع القضاة في كتابة محاضر بما كان يفعله ليثبتوا فسقه وكانت أنفسهم قد امتلأت عليه حنقا ،
--> ( 1 ) السلوك 2 / 442 ، 490 ، 603 ، 611 ، النجوم 10 / 60 ، الطبقات السنيّة 3 / 107 ( 713 ) ، الجواهر المضيئة 2 / 88 ( 478 ) هامش 1 ، ومنها سنة وفاته . ( 2 ) في المخطوط : لم يكن . ( 3 ) لم نجد هذه الكلمة في المعاجم ، وإنّما يعرف الزفر ، وهو الغليظ الشرس البذيء من الناس . وتقرب منها سبّة « الزوفري » عندنا بتونس ، وفي السلوك والنجوم : صبيّ من مطبخ السلطان . ( 4 ) في السلوك والنجوم أنّ الطبّاخ حقد على القاضي لأنّه حكم لزوجته في قضيّة بينهما .